ابن رشد
280
تهافت التهافت
يرى القوم أن الصور الخيالية التي تصدر عنها أفعال الحيوانات المحدودة هي كالمتوسطة بين المعقولات والصور الخيالية الشخصية ، مثل الصورة التي يفر بها البغاث من الجوارح والتي بها تصنع النحل بيوتها . وأما الصانع الذي يحتاج إلى مثال جزئي محسوس فهو الذي ليس عنده هذا المثال الكلي الذي هو ضروري في صدور ما يصدر عنه من الجزئيات . وهذا الخيال الكلي هو الباعث للإرادة الكلية التي لا تقصد شخصا دون شخص . وأما الإرادات الجزئية فهي التي تقصد شخصا دون شخص من النوع الواحد وهذا لا يوجد في الأجرام السماوية ، وإما أن توجد إرادة عامة للشيء الكلي بما هو كلي فهو مستحيل لأن الكلي ليس له وجود خارج الذهن ولا هو كائن فاسد فتقسيمه أولا الإرادة إلى كلية وجزئية غير صواب ، اللّهم إلا أن يقال : إن الأجرام السماوية تتحرك نحو حدود الأشياء بغير أن يقترن الحد بتخيل شخص من أشخاص الموجودات بخلاف ما هو الأمر عندنا . وقوله إن الإرادة الكلية ليس يحصل عنها جزئي خطأ إذا فهم من الإرادة الكلية ما لا يخص شخصا دون شخص ، بل خيال عام كحال الملك في اتخاذه الأجناد والمقاتلة ، وأما إن فهم من الإرادة تعلقها بالمعنى الكلي بعينه فليس تتعلق به إرادة أصلا ولا توجد إرادة بهذه الصفة إلا من الجهة التي قلنا . فالأجرام السماوية إن تبيّن من أمرها أنها تعقل ما هاهنا من جهة ما تتخيل ، فذلك من جهة الخيالات العامة التي تلزم الحدود لا من جهة الخيالات الجزئية التي تلزم الإحساسات ، والأظهر أن لا يكون ذلك عن التصور الجزئي وبخاصة إذا قيل أن ما يصدر عنها هاهنا إنما يصدر على القصد الثاني . لكن مذهب القوم أنها تعقل أنفسها وتعقل ما هاهنا ، وهل تعقل ما هاهنا على أنه غير ذواتها فيه نظر يفحص عنه في المواضع الخاصة به وبالجملة إن كانت عالمة فاسم العلم مقول على علمنا وعلمها باشتراك الاسم . وأما ما يقوله : في هذا الفصل في سبب الرؤيا والوحي فهو شيء انفرد به ابن سينا وآراء القدماء في ذلك غير هذا الرأي ، وأما وجود علم لأشخاص غير متناهية بالفعل من جهة ما هو علم شخصي فشئ ممتنع ؛ وأعني بالعلم الشخصي الإدراك المسمى خيالا ، ولم يكن معنى لإدخال مسألة الرؤيا والوحي في هذا الموضع ، إلا أن يتطرق بذلك إلى كثرة المعاندة وهو فعل سفسطاني لا جدلي . وهذا الذي قلته من أمر تخيل الأجرام السماوية خيالات متوسطة بين